الشنقيطي
85
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تعالى شهيد على أفعالهم فلن تخفى عليه خافية . وقد جاء بصيغة المبالغة في شهيد ، لما يتناسب مع هذا المقام كما فيه المقابلة بالفعل ، كما كانوا قعودا على النار وشهودا على إحراق أولياء اللّه تعالى ، فإنه سبحانه سيعاملهم بالمثل ، إذ يحرقهم وهو عليهم شهيد . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [ 10 ] . يحتمل أن يكون مرادا به أصحاب الأخدود ، وفتنوا بمعنى أحرقوا ، ويحتمل أن يكون عاما في كل من أذى المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم ويردوهم عنه بأي أنواع الفتنة والتعذيب . وقد رجح الأخير أبو حيان وحمله على العموم أولى ، ليشمل كفار قريش بالوعيد والتهديد ، وتوجيههم إلى التوبة مما أوقعوه بضعفة المؤمنين ، كعمار وبلال وصهيب وغيرهم . ويرجح هذا العموم ، العموم الآخر الذي يقابله في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ [ البروج : 11 ] ، فهذا عام بلا خلاف في كل من اتصف بهذه الصفات . قوله تعالى : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) [ 12 ] . في مقام المنطوق بالمفهوم من العزيز الحميد ، كما تقدم . قوله تعالى : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) [ 13 ] . قيل : يبدىء الخلق ويعيده ، كالزرع والنبات والإنسان بالمولد والموت ، ثم بالبعث . وقيل : يبدأ الكفار بالعذاب ويعيده عليهم ، واستدل لهذا بقوله كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] . وفي الحديث : « ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلّا إذا كان يوم القيامة ، بطح لها بقاع قرقر ، ثم يأتي بها أوفر ما تكون سمنا فتطؤه بخفافها فتستن عليه كلما مر عليه أخراها أعيد عليه أولها ، حتى يقضي بين الخلائق فيرى مصيره إما إلى جنة ، وإما إلى نار » إلى آخر الحديث في صاحب البقر والغنم والذهب .